بقلم خالد بن الشريف.
لا يكاد يخبو صدى فضيحة بالمغرب على صفحات الإعلام، حتى تتفجر فضيحة أخرى تنسخ السابقة، فبعد أن كان الرأي العام المغربي مشغول بخبر استيراد سفينة النفايات من إيطاليا، استغرق هذه الأيام في الانشغال بتفويت أراض في ملكية الدولة إلى موظفي الدولة وكبارها بثمن زهيد، باعتبارهم «خُدام الدولة».
تفجرت قضية ما بات يعرف في المغرب بـ«خدام الدولة»، عندما سرّبت جهات مجهولة إلى الصحافة قبل أيام وثائق، تظهر أن والي الرباط، عبد الوافي لفتيت، استفاد من بقعة أرضية من أملاك الدولة، تصل مساحتها إلى 4755 متر مربع بسعر لا يتعدى 350 درهمًا (35 دولار تقريبًا) للمتر الواحد بشكل مباشر، دون سمسرة.
ليتوالى بعد ذلك ظهور لائحة أسماء شخصيات مغربية وأجنبية بلغت السبعين شخصا، تضم قيادات أحزاب وموظفين سامين ووزراء وعسكريين ودبلوماسيين خليجيين، حصلوا على مساحات أرضية، مملوكة للدولة، مقابل ثمن بخس لا يتجاوز 370 درهمًا.
وقد شملت لائحة الأشخاص المستفيدين من عطايا الدولة، أسماء وازنة، بينهم عبد السلام أحيزون (المدير العام لشركة اتصالات المغرب)، وميمون المنصوري (رئيس الحرس الملكي)، ومحمد بوسعيد (وزير المالية والاقتصاد)، ومحمد السقاط (والي بنك المغرب السابق)، ومراد الشريف (وزير مالية سابق والرئيس المدير العام السابق للمكتب الشريف للفوسفاط)، عبودي حمد أبوشهاب (دبلوماسي إماراتي)، وسعيد خلفان مطر الرميثي (دبلوماسي إماراتي).
أحدثت هذه التسريبات رد فعل قوي من قبل الرأي العام المغربي، الذي رأى في استفاد نخبة من الطبقة السامية الغنية من أراضي الدولة، ضربا من الريع والفساد. في هذا الصدد، علقت جمعية «أنفاس» الحقوقية قائلة: «إن استمرار طبقة المنتفعين في الحصول على امتيازات يكرس الاستبداد والظلم والتمييز بين أفراد الشعب الواحد»، فيما قالت نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، إن «استفادة رجال الدولة من امتيازات غير مشروعة، يدخل في نطاق النظام الأبوي، الذي وضعه النظام السياسي المخزني منذ عقود، من أجل تثبيت الولاءات الدائمة».
ولم يفوت رواد مواقع التواصل الاجتماعي الفرصة لشن حملة إلكترونية تنديدًا بتفويت أراضي الدولة إلى فئة ثرية بأثمان رمزية، في الوقت الذي يعيش فيه كثير من المغاربة الفقر والحرمان.
جاء الرد الرسمي متأخرًا عن فضيحة «خدام الدولة»، التي كشفت النقاب عن مدى استفحال الريع داخل أجهزة الدولة، حيث اضطر وزيرا الداخلية والاقتصاد والمالية إلى إخراج بيان، يوضحان فيه القضية وملابساتها للرأي العام.
ووصف الناشط الحقوقي أحمد عصيد، بيان الوزيرين، بأنه «لم يكن إلا عذرًا أقبح من زلة»، إذ أورد البيان بأن تفويت البقع الأرضية تم وفق المساطر القانونية دون أن ينفي حقيقة المعلومات المسربة، في حين أن القرار يُنافي مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة بين المواطنين المغاربة.
كما أن الوزيرين وصفا المستفيدين من الأملاك العامة بـ«خُدام الدولة»، وكأن المغاربة مقسمين إلى خادمين للبلد، وهم الممثلين في كبار رجال الدولة، وآخرين غير خادمين له ممثلين في الفئات الشعبية.
أما بالنسبة لرئيس الحكومة المغربية، عبد الإله بنكيران، فقد آثر الركون إلى الصمت وعمم بلاغا على أتباعه في حزب العدالة والتنمية، يحثهم فيه على عدم التعليق حول القضية، مثلما سبق للحكومة أن رفضت الإجابة على عن أسئلة تقدم بها برلمانيون كطلب توضيح حول قضية تفويت الأراضي العامة للموظفين السامين بسعر زهيد، وكان وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى الخلفي، قد رفض هو الآخر التعليق حول هذا الملف بعد أن سأله الصحافيون عن ذلك في ندوة سابقة.
من جهة أخرى، يؤكد القانونيون أنه لا يمكن إصلاح هذه الفضيحة، وفق القاعدة القانونية التي تقول «لا يطبق القانون بأثر رجع»، وبالتالي لا يمكن فسخ عقود الأملاك السابقة، وأن المخرج الوحيد من هذه الورطة هو إلغاء المرسوم، الذي يعطي الحق لتفويت أراض عمومية بسعر بسيط للمتنفذين، لمنع مستفيدين جدد من الحصول على هذا الريع. ولم يصدر مثل هذا القرار حتى الساعة، ما يعني أن الفضيحة ستتكرر باستمرار وإن لم تسرب الوثائق التي تكشف المستفيدين.
يشير تقرير حديث لمنظمة الشفافية الدولية (ترانسبرانسي) إلى أن مؤشرات الفساد السياسي «لم تتراجع رغم الإصلاحات الدستورية والقانونية، التي حصلت بعد موجة الربيع العربي» موضحة أن «الفساد السياسي هو أصل أنواع الفساد الأخرى، وهو يعني بشكل مباشر فساد طبقة الساسة والحكام وقادة الأحزاب والنخب الحاكمة»، ما يعني أن الفساد في المغرب جزء لا يتجزأ من بنية الدولة، بحيث أصبح متغلغلا في النسق السياسي للبلد.
على نفس الطريق، يذهب النائب البرلماني عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حسن طارق، الذي يعتبر أن النخب السياسية هي جذر الفساد المستشري في البلاد، محملا إياها مسؤولية امتداه في كل هياكل الدولة والمجتمع، حتى صار نمطا في المنظومة السياسية. بينما يصف الكاتب محمد حنفي هذه النخبة، بأنها «تعتبر نفسها هي صاحبة الحل والعقد، وتعتبر نفسها أذكى من في المجتمع، مثلما تتقن استغلال المسؤوليات، من أجل تحقيق تطلعاتها الانتهازية».
وحسب الكاتب محمد حنفي، فإنه لفهم طبيعة هذا الفساد، يجدر العودة إلى الوراء، وتحديدًا خلال مرحلة عهد الملك الراحل الحسن الثاني، حينئذ تشكلت البنية القانونية والسياسية الرافدة للفساد، حيث كان يواجه الملك الراحل، الحسن الثاني، معارضة شديدة من قبل الأحزاب الاشتراكية، كما يتعرض لمحاولات انقلابية عسكرية.
في ظل هذا الوضع المتوتر ارتأت السلطة بالمغرب حينها تحصين نفسها بمراسيم وظهائر، تتيح للموظفين السامين ولكبار رجال الدولة امتيازات خيالية، في محاولة لإحاطة النخبة بسياج من المصالح الذاتية، تجعلهم أكثر ولاء للنظام، وفقًا للكاتب.